الفيض الكاشاني
28
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
نفسه من غير أن يتجلّى لهم ) « 1 » . « 2 » قوله : « تجلّى لعباده » ، أي أظهر ذاته في مرآة كلّ شيء بحيث يمكن أن يرى رؤية عيان « من غير أن رأوه » ، بهذه التجلّي رؤية عيان لعدم معرفتهم بالأشياء من حيث مظهريّتها له ، وأنّها عين ذاته الظاهرة فيها . « وأراهم نفسه » ، أي أظهرها لهم في آيات الآفاق والأنفس من حيث أنّها شواهد ظاهرة له ودلائل باهرة عليه ، فرأوه رؤية علم وعرفان « من غير أن يتجلّى لهم » ، من غير أن يظهر ذاته فيها عياناً بحيث يعرفون أنّها مظاهر له ومرايا لذاته ، وأنّه الظاهر فيها بذاته . وقال سيّد الشهداء الحسين بن علي - صلوات اللَّه على جدّه وأبيه وأمّه وأخيه وعليه وبنيه - في دعاء عرفه : ( كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟ ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً ) . وقال أيضاً : ( تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء ) . وقال : ( تعرّفت إليّ في كلّ شيء ، فرأيتك ظاهراً في كلّ شيء ، فأنت الظاهر لكلّ شيء ) « 3 » . وروى الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابويه القمّي رحمه الله في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي بصير ، قال : ( قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : أخبرني عن اللَّه عزّ وجلّ ، هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال : نعم ، وقد رأوه قبل يوم القيامة . فقلت : متى ؟ قال : حين قال لهم : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
--> ( 1 ) - الكافي ، ج 8 ، ص 387 . ( 2 ) - قوله : ( إنّ اللَّه تجلّى لعباده من غير أن يروه ، وأراهم نفسه من غير أن يتجلّى لهم ) ، أي ظهر لعباده وتعرف لهم وتبيّن من غير أن يرونه عياناً ، وأراهم نفسه عياناً من دون حجاب واحتجاب . والحاصل أنّه تعالى بطن من حيث ظهر ، وظهر من حيث بطن ، ظهوره بعينه هو بطونه ، وبطونه هو بعينه ظهوره . ولقد كشف عنه في وجه قوله تعالى : « أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ » ، أي في احتجاب من لقائه وشهوده في عين ظهوره ، ويا من احتجب بشعاع نوره احتجابه ظهوره ، ظهوره احتجابه . ومن هنا قال قبلة العارفين علي عليه السلام : ( تعرف الأشياء بها وامتنع بها عنها ) . هذا هو طور الجمع بين الأضداد الذي هو خاصّة خواصّ ربّ العباد ، والعارف باللَّه هو من عرفه بالجمع بين الأضداد من جهة واحدة ، كما قال صلى الله عليه وآله فيما قال : ( ظاهره موصوف لا يرى ، وباطنه موجود لا يخفى ، حاضر غير محدود ، وغائب غير مفقود ) [ معاني الأخبار ، ص 10 ، ح 1 ] . « نوري » ( 3 ) - بحار الأنوار ، ج 64 ، ص 142 ، ح 6